محمود توفيق محمد سعد
197
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
ولا أكاد أملّ تأكيد القول بأنّ علم البيان في البلاغة القرآنية ليس بالمحصور في " التشبيه والاستعارة والمجاز المرسل والكناية " فمن شاء أن يدرس سورة ما في ضوء منهاج علم البيان فإنّ عليه ألا يقتصر اجتهاده في التدبر والتأويل على هذه الأساليب في السورة بل يشمل تأمل وتدبر دلالة كل جملة وآية على المقصود الأعظم للسورة ( المعنى الواحد ) المتعين فيها ، ودرجات الاختلاف في الدلالة وعلاقة هذا التباين بين سبل الإبانة بالمعنى الجزئي والمعنى الكلّي ، مرتكزا على تأمل وتدبر النظم التركيبي والترتيبي للجمل والآيات والمعاقد * * * وإذا ما كان البقاعيّ معنيّا بحقيق مقصود السورة التي هو بصدد تدبر منهاج البيان فيها فإنه - أيضا - حريص على مراجعة ما ينتهى إليه من استنباط المقصود الأعظم للسورة التي هو بصدد تأويل بيانها وبيان عظيم تناسب نظامها ، فيبين لنا أحيانا أنّه قد أعاد النظر في تحقيق وتحرير مقصود السورة وبدا له ما هو أعلى مما كان قد أشار إليه من قبل ، يقول في مفتتح سورة " الأعراف " : " مقصودها إنذار من أعرض عمّا دعا إليه الكتاب في السورة الماضية من التوحيد والاجتماع على الخير والوفاء لما قام على وجوبه من الدليل من الأنعام ، وتحذيره بقوارع الدارين . وهذا أحسن مما كان ظهر لي ، وذكرته عند : وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( لأعراف : 8 ) « 1 » وهو في تفسيره تلك الآية يقول بعد بيانه معنى الوزن وأنّه بميزان حقيقي لصحف الأعمال أو للأعمال أنفسها بعد تصويرها بما تستحقه من الصور . . . فتحرر أنّ مقصود السورة الحثّ على اتباع الكتاب ، وهو يتضمن الحثّ على اتّباع الرسول والدلالة على التوحيد والقدرة على البعث ببيان الأفعال الهائلة في ابتداء الخلق وإهلاك الماضين إشارة إلى أنّ من لم يتبعه ويوحّد من أنزله على هذا الأسلوب الذي لا يستطاع والمنهاج الذي وقفت دونه العقول والطباع لما قام من الأدلة على توحيده يعجز من سواه عن أقواله وأفعاله أوشك أن يعاجله قبل يوم البعث بعقاب مثل
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 7 / 347